سليمان الدخيل

20

كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد

إلى خرائب ورماد حتى أتت النيران على أحياء بأكملها ودمرت هذه الحرب قصرى الخلافة ، باب الذهب في وسط المدينة ، والخلد على دجلة « 1 » . وكان لمقتل الأمين أثر سئ في نفوس أهل بغداد ، فاشتدت معارضتهم للمأمون وثاروا على وزيره الحسن بن سهل حتى غادر بغداد سنة 201 ه ، وزاد أهل بغداد ، معارضة المأمون حين بايع لعلى الرضا بولاية العهد وأمر الناس يلبس الخضرة - شعار العلويين - بدلا من السواد - شعار العباسيين - لذلك بايعوا إبراهيم بن المهدى ولقبوه المبارك وظل يحكم بغداد مدى عامين ، غير أن خيانة قواده له ، وتمردهم عليه أجبرته على تسليم المدينة وزمام الحكم إلى المأمون ، ونزل المأمون بالجانب الشرقي حيث نقل إليه مقر حكمه في قصر من قصور البرامكة وقام بتوسيعه « 2 » . وقدر لبغداد أن تنزل عن مركزها الممتاز بعد أن انتقلت حاضرة الدولة إلى سامرا ، ذلك أن المعتصم جمع جيشا من الترك بلغ عدة آلاف وألبسهم أنواع الدبياج ، والمناطق الذهبية والحلية المذهبة ، وأبانهم عن سائر جنوده ، وكان الأتراك يؤذون الناس بمدينة السلام بجريها الخيول في الأسواق ، وما ينال الضعفاء والصبيان من ذلك « 3 » وضاقت بهم بغداد وتأذى بهم الناس بعد أن زاحموهم في دورهم وتعرضوا بالنساء ، فتذمر أهل بغداد وتقدموا بالشكوى إلى المعتصم ، فرأى الخليفة ضرورة الإنتقال من بغداد مع عسكره ، ووقع اختياره على سامرا ، وشيدها سنة 221 ه ، وأتخذها حاضرة بدلا من بغداد . وبذلك فقدت بغداد أهميتها كحاضرة إسلامية كبرى . حقيقة ظلت بغداد محتفظة بقدر كبير من النشاط الأدبي والازدهار الاقتصادي ، لكن انتقال حاضرة الخلافة عنها ، أفقدها السيادة على المملكة الإسلامية الكبرى .

--> ( 1 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 166 . ( 2 ) ابن طباطبا : الفخري في الأداب السلطانية س 111 . ( 3 ) المصدر السابق ذكره .